البوتينيّة أعلى مراحل الاستعمار

الدار البيضاء اليوم  -

البوتينيّة أعلى مراحل الاستعمار

حازم صاغية
بقلم - حازم صاغية

كلمة «استعمار» لم تعد تنطبق على مكان في العالم مثلما تنطبق على روسيا. إنّها الاستعمار بأكثر معانيه جلافة وبدائيّة: ممنوع أن تكون دولة ما جارةً لروسيا وحرّةً في وقت واحد. جيرة روسيا، حتّى تكون آمنة، تستدعي التخلّي عن السيادة وترك القرارات الكبرى لموسكو، لا للبرلمان الوطنيّ في حال وجوده. ممنوع، بالتالي، أن تكون الدولة المعنيّة جارةً لروسيا وديمقراطيّة تحترم إرادة شعبها وتعمل بموجبها.
نستعرض بسرعة أوضاع البلدان المجاورة وما آلت وتؤول إليه أحوالها بسبب التطبيق الروسيّ لمبدأ «الأقربون أولى بالمعروف».
على حدود روسيا الغربيّة، أي حدود الذعر من الديمقراطيّة، ثلاث دول تمتدّ من جورجيا جنوباً إلى بيلاروسيا شمالاً وبينهما أوكرانيا.
* جورجيا (4 ملايين نسمة)، شُنّت عليها الحرب في 2008 التي افتُتحت بها «الحروب الأوروبيّة» في القرن الحادي والعشرين. الذريعة طردُها أربعة روس متّهمين بالتجسّس لبلدهم. موسكو استفادت أيضاً من الحركات الانفصاليّة في أبخازيا وأوسيتيا الجنوبيّة لتضييق الخناق على سلطة جورجيا وقرارها. لكنّ السبب الفعليّ للنزاع والحرب أنّ الرئيس ميخائيل ساكاشفيلي، المنتخب لدورتين (2004 – 2013)، كان متحمّساً للانضمام إلى حلف الناتو. هذا محرّم على الجورجيّين. حتّى الآن لا يزال خُمس بلدهم محتلاًّ.
* أوكرانيا (45 مليوناً)، شُنّت عليها حرب في 2014. ذريعتها تحديد الوضعيّة النهائيّة للقرم ولأجزاء من الدونباس، وهي كلّها معترف بها دوليّاً بوصفها أراضي أوكرانيّة. الروس ضمّوا القرم بالقوّة ثمّ، ومن خلال الأقلّيّة الروسيّة، فصلوا الدونباس عن أوكرانيا. السبب الفعليّ للحرب هو الردّ على الثورة الأوكرانيّة التي أطاحت الديكتاتور الموالي لموسكو فيكتور يانوكوفيتش الذي انتهى لاجئاً في روسيا. أكثريّة سكّان أوكرانيا، من خلال ممثّليهم المنتخبين، متلهّفون للانضمام إلى الناتو. عشرات آلاف الجنود الروس حُشدوا مؤخّراً على الحدود مع أوكرانيا، ما قد يؤدّي إلى إحدى أكبر الأزمات في عالمنا اليوم.
* بيلاروسيا (10 ملايين)، عرفت انتفاضة شعبيّة في 2020 ضدّ «انتخاب» ألكسندر لوكاشنكو رئيساً للمرّة السادسة. لوكاشنكو كان ضابطاً في حرس الحدود السوفياتيّ، وهو يسمّي نفسه متفاخراً «آخر ديكتاتور في أوروبا». نصف العالم، بما فيه جميع الدول الديمقراطيّة، لا يعترف برئاسته، وبعضها يفرض على بلده عقوبات بسبب تزويره الانتخابات. بين الدول التي تعترف به: روسيا والصين وإيران وسوريّا وكوبا وفنزويلاّ.
قبل الانتفاضة كانت علاقات لوكاشنكو بفلاديمير بوتين قد تدهورت لأنّ الأوّل كان يطمح لأن يمنحه الثاني «احتراماً أكبر». الانتفاضة أعادت ترتيب العلاقات وإزالة الشوائب والأدران: لوكاشنكو صار همّه البقاء لا الاحترام، فيما كلفته على بوتين صارت أقلّ كثيراً. موسكو سارعت إلى إنقاذه ماليّاً وعسكريّاً: قوّاتٌ حُشدت على الحدود المشتركة وعمّالٌ روس حلّوا محلّ العمّال المضربين.
حساسيّة الحدود الغربيّة لا تلغي حساسيّة الحدود الأخرى: مؤخّراً، وإلى جنوب روسيا الشرقيّ، تحرّكت كازاخستان (20 مليوناً)، أكبر بلدان آسيا الوسطى. الانتفاضة أشعلها ارتفاع أسعار الوقود لكنّها سريعاً ما تسيّست وطرحت بقوّة مسألة السلطة والاستبداد. ذاك أنّ حاكمها الفعليّ نورسلطان نزاربايف، سبق أن انتقل من قيادة الحزب الشيوعيّ في العهد السوفياتيّ إلى رئاسة الحكومة بعد الاستقلال في 1990. في 2019 وضع في الواجهة دُميته قاسم جومارت توكاييف الذي ما أن واجهته الانتفاضة حتّى طلب من روسيا وبيلاروسيا إرسال جنودهم من أجل «استعادة الاستقرار».
حكمة بوتين هي، إذاً، كيف تدعم الاستبداد وتمنع الشعوب من التحرّر ومن صنع قرارها بنفسها. إنّها توسيع المسافة التي تفصل هذه البلدان عن الديمقراطيّة والتقدّم. أمّا السبب فهو ذاك الهوس الأمنيّ وخوف الحصار المزمن الذي سبق أن عرفه العهدان القيصريّ والشيوعيّ قبل أن ينبعث مجدّداً مع بوتين. الثلاثة طرحوا على أنفسهم المهامّ التي لا يملك بلدهم شروطها ومرتكزاتها الفعليّة فكانت النتيجة نوعاً من الجنون والعُظام اللذين يُلزمان الآخرين بألّا يتقدّموا ولا يتدقرطوا. بوتين يفاجئنا، المرّة بعد الأخرى، حين يدافع عن كلّ ماضٍ روسيّ وكلّ عهد روسيّ، لا همّ أكان رأسماليّاً أم شيوعيّاً. المهمّ، في آخر المطاف، هو استمرار تلك المعادلة: قوّة من دون سند وإضعاف للآخرين بلا حدود.
هكذا كانت روسيا حين «دعمت العرب» في العهد السوفياتيّ ضدّ إسرائيل، وهكذا هي اليوم، في العهد البوتينيّ، حين تقتلهم في سوريّا، وحين تتقاسم بعض الوظائف مع إسرائيل.
لكنْ يبقى من المستغرب نقص الحساسيّة العربيّة حيال روسيا، ودوام الاستعداد لاعتبارها صديقاً وفيّاً. إنّه استغراب لا يبدّده إلاّ تحوّل العداء إلى أميركا والغرب إلى ديانة، واستثمار الأنظمة العسكريّة والأمنيّة عندنا في تلك الديانة الزائفة التي تعود عليها، هي أيضاً، بنفع عميم.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

البوتينيّة أعلى مراحل الاستعمار البوتينيّة أعلى مراحل الاستعمار



GMT 20:42 2025 الخميس ,07 آب / أغسطس

شاعر الأندلس لم يكن حزيناً

GMT 20:40 2025 الخميس ,07 آب / أغسطس

كي لا تسقط جريمة المرفأ بالتحايل

GMT 05:57 2023 الإثنين ,07 آب / أغسطس

ما حاجتنا إلى مثل هذا القانون!

GMT 05:52 2023 الإثنين ,07 آب / أغسطس

الوحش الذي ربّته إسرائيل ينقلب عليها

جورجينا تثير اهتمام الجمهور بعد موافقتها على الزواج وتخطف الأنظار بأجمل إطلالاتها

الرياض - الدار البيضاء اليوم

GMT 12:40 2020 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الأسد السبت 26-9-2020

GMT 06:19 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل الجمعة 30 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:58 2020 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج القوس السبت 26-9-2020

GMT 18:59 2019 الخميس ,14 شباط / فبراير

مفاجأة بخصوص زوجة صاحب عبارة "إكشوان إكنوان"

GMT 10:42 2012 الأربعاء ,27 حزيران / يونيو

الكشف عن 20 حالة إدمان في ملتقى نسائي في السعودية

GMT 16:13 2017 الثلاثاء ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

ماركة " ABAYA " تصدر مجموعتها المتجددة لخريف 2017

GMT 21:13 2015 الثلاثاء ,22 كانون الأول / ديسمبر

رقم قياسي لعدد طيور النورس المهاجرة في مدينة الربيع

GMT 01:31 2016 الثلاثاء ,05 كانون الثاني / يناير

شذى حسون تشيد بالسيناريو الدرامي لكليب أحدث أغانيها "مزيون"

GMT 21:55 2016 الأربعاء ,08 حزيران / يونيو

التطريزات الهندية تعطي التميز لحقائب موسم صيف 2016

GMT 00:07 2015 الجمعة ,09 كانون الثاني / يناير

حادث مروري مروع تسبَّب في عرقلة موكب الملك محمد السادس
 
casablancatoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

casablancatoday casablancatoday casablancatoday casablancatoday
casablancatoday casablancatoday casablancatoday
casablancatoday
RUE MOHAMED SMIHA,
ETG 6 APPT 602,
ANG DE TOURS,
CASABLANCA,
MOROCCO.
casablanca, Casablanca, Casablanca